
تونس – أونيفار نيوز وترجل أحد أواخر بناة الدولة التونسية الحديثة، ترجل الفارس الهمام ، نرجل التيجاني الشلي، الذي ينبغي للأجيال اللاحقة، أن لا تنسى فضله في بناء مؤسسات الدولة التونسية الحديثة، وأركانها المكينة.
كان من أوائل خريجي مدارس الهندسة في فرنسا.
ورغم إغراءات الهجرة ، والوضع المهني والمادي المريح، عاد إلى تونس للمساهمة في بناء دولة الاستقلال، مسلحا ليس فقط بالشهادة العلمية، ولكن أيضا بشعور وطني فباض، والاحساس بشرف المساهمة في بناء أركان الدولة.
في الوقت الصعب تقلد كبار المسؤوليات، وهو في سن الشباب الغض، وعرف عنه تمتعه بتلك البصيرة الثاقبة، التي تخترق ستائر الحجب وتميز الكبار.
يعد سنوات إدارة المؤسسات، وخاصة شركة السكك الحديدية، التي كان وراء توحيدها، بعد أن كانت شطرين، أحدهما بإدارة في العاصمة تونس، والثانية بإدارة في صفاقس، في وقت بدأ تقصيب أجنحة ما كان يسمى عاصمة الجنوب، تولى الوزارة، بنظرة تقوم على عقيدة تؤمن بالنجاعة، وتلفظ قوالب كانت سائدة وما تزال، بشأن ملكية المؤسسات بقطع النظر عن مردوديتها ومساهمتها، أو لا في زيادة ثروة البلاد.
وبهذه النظرة الثاقبة سريعا ما اصطدم بالرئيس بورقيبة، وأفصح بصراحة عن موقف في مجلس الجمهورية، الذي كان يجمع في نفس الوقت الحكومة والديوان السياسي للحزب الدستوري، لم ينل موافقة بورقيبة فعزله مباشرة وفي اللحظة ذاتها من منصبه الوزاري.
غير أن الهادي نويرة وكان الوزير الأول آنذاك، اختطف اللحظة، فأنشأ وكالة النهوض بالصناعة، وأسند له رئاستها.
كنت أزوره وقتها، وأنا الذي تعرفت عليه وعلى خصاله، أزوره في المكتب الذي وضعوه فيه فيما كان يسمى وقتها معبر الأيدي المكسرة، les bras cassés ، حيث يتم تخصيص عدد من المكاتب لكبار المسؤولين المقالين ، يأتون ليشربوا قهوة، ويقرأون الصحف التي تأتيهم مجانا، ثم ينصرفون بلا شغل ولا مشغلة، كنت كثيرا ما أمر عليه وأنا في طريقي إلى العمل، وأبقى ساعة أو بضع ساعة ، قبل أن نترك ذلك المكتب معا، فينصرف هو إلى بيته أو شأن من شؤونه، وأنصرف أنا إلى عملي في الجريدة.
كنت أشعر بضيقه من هذه الحالة، وهو الذي لم يكن يتوقف عن النشاط، ولكنه استعاض عن ذلك بالمطالعة، وكم استلفت منه من كتب هو… والمرحوم سي محمد الصياح.
كان يقدرني، وبقدر ما كنت أثني على خصاله، لم يكن يبخل علي بالإشادة كصحفي من جهة، وكرجل وفي لا يتنكر للمسؤولين الدين يغادرون ، وتلك من آداب وأخلاق المهنة الصحفية وفق تقديري.
لكن لم تطل به فترة المرور من الصحراء كما يقول الفرنسيون، فسريعا ما لجأ إليه الهادي نويرة، الذي كان من وجهة نظري رئيس حكومة لا وزيرا أول من الناحية الفعلية، لجأ إليه لتحويل فكرته الشخصية في جعل تونس قطبا اقتصاديا مشعا، بما كان يتوفر لها من مزايا تجعلها جاذبة للاستثمار الخارجي ومصهرا للتفاعل معه للاستثمار الوطني الخاص.
كان أحد عوامل الجذب هو وجود كفاءات تونسية عالية الخبرة، وتهاود في كلفة اليد العاملة، فضلا عن قرب شلي لك نتيجة وفاق قام بين كل الجهات قطباه الهادي نويرة والحبيب عاشور، وكان الهدف هو أن نصنع في تونس ما بدأ يتحقق في شرق آسيا وخاصة سنغفورة وكوريا وماليزيا، ولم تكن تونس أقل من تلك البلدان قدرة على الإنجاز، وكان يمكن لبلادنا أن تصل إلى ما وصلت إليه تلك البلدان، التي زارها أو زار بعضها في الإثناء التيجاني الشلي، واستوعب عمق تجربتها.
نحن اليوم في معدل 3500 دولار للفرد كدخل فردي، فيما الدخل الفردي في سنغفورة يبلغ 50 ألف دولار.

كان أسف شديد يسود القيادة، أمام تكاثر الإضرابات، ولعل الهادي نويرة والتيجاني الشلي هما الأكثر تأثرا، لعدم تفهم قيادة اتحاد الشغل وخاصة الحبيب عاشور، للمرامي البعيدة لاستجلاب وتعبئة الاستثمار والحفاظ على معدلات سعر متهاود لليد العاملة.
من هنا جاء ما يشبه ” التواطؤ” بيني وبين التيجاني الشلي، وكان رئيسا مديرا عاما لوكلة النهوض بالصناعة، فأجريت معه لقاء صحفيا، تعرض في جانب منه إلى وتيرة الإضرابات العالية، لم يكن ذلك هو أهم ما جاء في المقال، ولكن الحبيب عاشور أرغى وأزبد، واختار ثلاثة أطراف لهجومه : أنا شخصيا ، والتيجاني الشلي وجريدة الصباح ، التي تولى حرق نسخة منها ودعا النقابيين لمقاطعتها.
كان كل ذلك مقدمة من المقدمات لأحداث 1978.
دلت الدلائل في ما بعد على أن:
أولا : أن الحبيب عاشور تنكر لوفاق حصل بينه وبين الهادي نويرة بشأن ضمان استقرار الأحور لاستفطاب مزيد الاستثمارات بعد ما بدا من أن السياسة المتبعة أعطت أكلها سواء في مجال رفع نسبة النمو أو في توفير فرص العمل، ربما كان ذلك من عاشور تحت ضغط لم يعد محتملا، فالتونسي ليس بنفس قدرة الأسيوي على الاحتمال ، احتمال جهد أكبر وإنتاجية للعمل أعلى مع الرضا بأجور متدنية.
ومن هنا وبعكس بلدان شرق أسيا خسرت تونس الرهان، ولم ترتق في السلم الذي كان يمكن أن يقودها كما تصور التيجاني الشلي، إلى مراتب نسبة من معدل الدخل الفردي العالية.
ولا يمكن القول إن التيجاني الشلي لم يسع لجعل تونس في مستوى الدول المتمتعة بالدخل العالي، ولكن السياسة هي التي خذلته، ولكنه يبقى الأب الروحي والفعلي، لما حصل من تصنيع في البلاد، ومن رفع للمستوى المعيشي للناس، ولكن ليس بالقدر الكافي الذي كان مخططا له أن يصل بمعدل مستوى النمو إلى ما بين 8 و9 في المائة سنويا، ويمتص كل البطالة الهيكلية والوافدة ، خلال 10 سموات، ويرفع معدل الدخل الفردي إلى مستويات قريبة مما عرفته بلدان شرق آسيا.
ولقد حصلت مجاولة ثانية، مع مصطفى كمال النابلي وزير التخطيط في منتصف التسعينيات ، ولكنها باءت بالفشل لغياب الإرادة السياسية ، ولأن التونسي تعود أكل زرعه أخضر.